السيد الطباطبائي
66
الإنسان والعقيدة
في قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ « 1 » إلى لفظ « كم » ، وهو الأمر الذي يعبّر عنه الإنسان « بأنّا » ، وقد شرحناه في رسالة الإنسان قبل الدنيا « 2 » . وبالجملة ، فالوارد في النشأة الأخرى من الإنسان ، نفسه وروحه ، وعليه يدلّ قوله سبحانه : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ « 3 » . والكدح هو السعي إلى الشيء ، والإنسان كادح إلى ربّه لأنّه لم يزل سائرا إلى اللّه سبحانه منذ خلقه وقدره ، ولذلك عبّر عن إقامته في هذه الدار باللبث في آيات كثيرة . قال سبحانه : قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ « 4 » . ثمّ إنّه سبحانه قال : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ، فنسب التوفّي إلى نفسه . وقال سبحانه : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ « 5 » ، فنسبه إلى ملك الموت . وقال سبحانه : حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ « 6 » ، فنسبه إلى الملائكة الرّسل ، ومرجع الجميع واحد ؛ لما عرفت في محلّه أنّ الأفعال كلّها للّه ، وهي مع ذلك ذات مراتب تقوم بكلّ مرتبة من مراتبها طائفة من الموجودات على حسب مراتبها في الوجود . والأخبار أيضا شاهدة بذلك ، ففي التوحيد عن الصادق عليه السّلام ، قال : « قيل لملك الموت كيف تقبض الأرواح وبعضها في المغرب ، وبعضها في المشرق في ساعة
--> ( 1 ) سورة الأنعام : الآية 60 . ( 2 ) راجع الصفحة : 25 . ( 3 ) سورة الانشقاق : الآية 6 . ( 4 ) سورة المؤمنون : الآية 112 . ( 5 ) سورة السجدة : الآية 11 . ( 6 ) سورة الأنعام : الآية 61 .